تثمين للتراث المادي واللامادي وتعزيز للهوية الوطنية
البويرة: إعطاء إشارة انطلاق شهر التراث من قرومة
منيب ولي الدين
احتضنت بلدية قرومة بولاية البويرة، أمس السبت، فعاليات الافتتاح الرسمي لشهر التراث لسنة 2026، برعاية وزيرة الثقافة والفنون ووالي ولاية البويرة، في أجواء احتفالية رسمية عكست المكانة المتزايدة التي يحظى بها التراث الثقافي، بشقيه المادي واللامادي، ضمن الجهود الرامية إلى صون الذاكرة الوطنية وترسيخ مقومات الهوية الجزائرية.
وأشرف على مراسم الافتتاح مدير الثقافة والفنون، ومديرة السياحة بالنيابة، ومديرة غرفة الصناعات التقليدية والحرف لولاية البويرة، بحضور رئيس المجلس الشعبي البلدي لقرومة وأعضاء المجلس، إلى جانب الأسرة الإعلامية وممثلي النسيج الجمعوي ونخبة من المهتمين بالتراث المحلي، فضلاً عن حضور معتبر من ساكنة المنطقة.
وشكّل هذا الموعد الثقافي محطة بارزة لإبراز ثراء الموروث المحلي، حيث تميزت فعاليات الافتتاح بتسليط الضوء على فن الزربية التقليدية التي تشتهر بها منطقة قرومة ومحيطها، باعتبارها أحد أبرز عناصر التراث الوطني.
كما تم ربط هذا الموروث رمزياً بتجارب محلية مماثلة، من خلال حضور وفد من بلدية صحاريج بولاية البويرة، في دلالة على الامتداد الثقافي داخل الولاية وأهمية تبادل الخبرات في مجال الحرف التقليدية.
وفي تصريح له بالمناسبة، أكد مدير الثقافة لولاية البويرة، إبراهيم بن عبد الرحمن، أن إحياء شهر التراث يندرج ضمن رؤية شاملة تهدف إلى تثمين الموروث الثقافي بمختلف تجلياته وتعزيز حضوره في الفضاء العام، من خلال مقاربة تشاركية تجمع مختلف الفاعلين، مضيفاً أن الرهان يبقى قائماً على نقل هذا الإرث إلى الأجيال الصاعدة وربطه بمسارات التنمية الثقافية.
من جهته، أبرز ممثل قطاع السياحة أهمية مرافقة الحرفيين ودعمهم، لاسيما في مجال تثمين المنتجات التقليدية وتسويقها، معتبراً أن الزربية الجزائرية تمثل رصيداً ثقافياً واقتصادياً واعداً يستدعي مزيداً من العناية للحفاظ على استمراريته وتعزيز حضوره في الأسواق.
بدوره، شدد رئيس المجلس الشعبي البلدي لقرومة، يحي باجي، على الخصوصية التاريخية والثقافية التي تتميز بها البلدية، مشيراً إلى أنها ظلت عبر مختلف الحقب فضاءً لتلاقي الحضارات وتراكم الموروثات، ما جعلها خزّاناً حياً للتراث المحلي الأصيل، المتجسد في العادات والتقاليد والحرف المتوارثة.
وفي مداخلة علمية، سلط الباحث في تاريخ المنطقة أحمد وقاد الضوء على الموروث الثقافي لقرومة، مبرزاً عمقها التاريخي ودورها الحضاري عبر العصور، وما تزخر به من عناصر تراثية مادية ولا مادية تستحق مزيداً من البحث والتوثيق، حفاظاً على استمراريتها ونقلها للأجيال القادمة.
كما شكل هذا اللقاء فرصة لطرح جملة من التوصيات، في مقدمتها ضرورة إعادة الاعتبار لزربية قرومة وتثمينها كأحد المكونات الأصيلة للتراث الوطني، إلى جانب اقتراح فكرة إرساء توأمة ثقافية بين بلديتي قرومة وصحاريج، قصد تبادل الخبرات وتنسيق الجهود في مجال المحافظة على هذا الموروث الحرفي وتطويره.
ويمتد شهر التراث من 18 أفريل، المصادف لليوم العالمي للمواقع الأثرية، إلى غاية 18 ماي، الموافق لليوم العالمي للمتاحف، حيث سطرت مديرية الثقافة برنامجاً ثرياً ومتنوعاً يتضمن معارض وورشات وندوات وأنشطة موجهة لفئة الشباب، في مسعى لربط التراث بالهوية وتعزيز الوعي بأهميته في بناء الحاضر واستشراف المستقبل.
ويحمل اختيار بلدية قرومة لاحتضان افتتاح شهر التراث دلالات رمزية تعكس التوجه نحو إعادة الاعتبار للمناطق الحاضنة للموروث الثقافي، وجعلها فضاءات فاعلة في صون الذاكرة الجماعية. وبين خيوط الزربية التي تنسجها أنامل الحرفيين، تتجدد حكاية التراث الجزائري؛ حكاية أصالة متجذرة وإرادة متواصلة لحمايته ونقله للأجيال القادمة.