-

عاجل

والي قالمة يتابع ميدانيًا وضعية الأحياء والمرافق العمومية
تراجع معدل التضخم السنوي في الجزائر إلى 1.5% بنهاية نوفمبر 2025
الفريق أول السعيد شنقريحة في زيارة رسمية إلى قطر
قسنطينة: تسمم ستة أشخاص بغاز أحادي أكسيد الكربون داخل مسكن بالخروب
أمطار رعدية معتبرة مرتقبة على عدة ولايات بداية من مساء اليوم
  • 1
  • 2
  • 3
  • 4
  • 5

حصيلة 2025: ديناميكية ثقافية رائدة تصنع التنمية وترسخ الهوية المحلية بعنابة

عدد القراءات : 668 | تاريخ : 29/12/2025 | المحور : أخبار ثقافية

عائشة نورالدين شنتوح

شهدت ولاية عنابة خلال سنة 2025 ديناميكية ثقافية لافتة، عكست توجّهًا واضحًا نحو ترسيخ الثقافة كعنصر محوري في مسار التنمية الشاملة، حيث تميزت السنة ببرنامج نشاطات ثقافية متنوع ومجموعة من المشاريع المرتبطة بإنجاز، ترميم وتصنيف الهياكل والمواقع الثقافية والأثرية. وتأتي هذه الجهود إيمانًا بالدور الاستراتيجي للثقافة في تعزيز الهوية، وتنشيط الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وترقية الذوق الفني داخل المجتمع، بما يعكس إرادة حقيقية لاستثمار المقومات الثقافية والتراثية التي تزخر بها الولاية.

في مجال المشاريع الثقافية، عرفت سنة 2025 خطوات مهمة في اتجاه استرجاع الفضاءات الثقافية ذات الرمزية التاريخية، حيث تم استرجاع واستلام ثلاث قاعات سينما ببلدية عنابة، وهي الحمراء، إفريقيا، والإيدوغ، قصد إسناد تسييرها إلى وزارة الثقافة والفنون، مع إعداد ملفات مشاريع ترميمها على مستوى الوزارة لدراسة إمكانية تسجيل عمليات لإعادة بعث هذه المرافق الثقافية الهامة. كما تم رفع التحفظات ومنح رخصة البناء الخاصة بإعادة تهيئة سينما المنار بعنابة، إلى جانب دراسة، متابعة وتهيئة متحف الموقع الأثري هيبون. وبالمقابل، لا تزال خمسة مشاريع مجمدة، من بينها ببلدية عنابة، تتعلق بمتابعة وأشغال ترميم القلعة الحفصية، ودراسة وإنجاز مسرح الهواء الطلق، ودراسة وإنجاز متحف متعدد الاختصاصات، ما يبرز حجم التحديات المطروحة لاستكمال هذه الديناميكية.

أما في مجال التراث الثقافي، فقد تميزت السنة بإدراج الموقع الأثري هيبون ضمن أحد المسارات السياحية العالمية في قائمة اليونسكو تحت عنوان “على خطى القديس أوغستين”، في خطوة تعزز إشعاع الموقع على المستوى الدولي. كما تم تنظيم حفريتين أثريتين بالموقع ذاته، أسفرتا عن لقى أثرية هامة، إلى جانب تسجيل معلمين تاريخيين في قائمة الجرد الإضافي، وهما بطارية الرسو ببونة بيتش ببلدية عنابة، ومقبرة المرابطين لالة خروفة، فضلاً عن جرد مخطوطات مسجد الباي بالمدينة القديمة.

وفيما يخص النشاط الثقافي، شهدت الولاية خلال سنة 2025 تنظيم سلسلة واسعة من الفعاليات والتظاهرات التي هدفت إلى استثمار الموروث الثقافي والفني المحلي، وإشراك مختلف فئات المجتمع في حركية ثقافية مستدامة، بما يسهم في إثراء الحياة الفنية والفكرية للمواطنين، ودعم الحرف والمهن التقليدية، وخلق فضاءات مفتوحة للتعبير والإبداع. وقد توزعت هذه النشاطات على عدة محاور، كان من أبرزها المهرجانات الثقافية التي شكلت ركيزة أساسية في المشهد الثقافي المحلي.

في هذا السياق، نُظمت الطبعة الخامسة من مهرجان عنابة للفيلم المتوسطي في سبتمبر 2025 تحت شعار “عنابة تعيش السينما”، بمشاركة ضيوف من عدة دول عربية وأجنبية، وتضمن البرنامج إلى جانب العروض السينمائية، ورشات تكوينية لفائدة شباب عنابة من محبي الفن السابع. كما احتضنت الولاية الطبعة السابعة عشرة من المهرجان الثقافي الوطني للموسيقى والأغنية الحضرية في ماي 2025، والتي عرفت تنظيم حفلات فنية في مختلف الطبوع الموسيقية بمشاركة فنانين من عدة ولايات، إضافة إلى ورشات تكوينية في موسيقى الصنعة والشعبي والموسيقى الحضرية، ومداخلات علمية قدمها أساتذة ومختصون في المجال. كما نُظمت الطبعة السابعة من المهرجان الثقافي الوطني للإنتاج المسرحي النسوي في فيفري 2025، متضمنة عروضًا مسرحية وورشات تكوينية لفائدة الشباب المهتم بالمسرح.

وعرف المهرجان المحلي للفنون والثقافات الشعبية بدوره نشاطًا مكثفًا، حيث تضمن حفلات وسهرات فنية خلال شهر رمضان المعظم والموسم الصيفي، على مستوى دار الثقافة، البلديات ومناطق الظل، إضافة إلى استقبال ثلاثة أسابيع ثقافية لولايات الجلفة، البيض وتيميمون، وتنظيم أسابيع ثقافية لولاية عنابة بهذه الولايات. كما تم تنظيم المهرجان المحلي “القراءة في احتفال” خلال شهر أكتوبر 2025، والذي شمل نشاطات ترفيهية، تثقيفية وتربوية، ومسرحيات وورشات تعليمية موجهة للأطفال، بما فيهم الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة، بهدف إدماجهم في هذه التظاهرة الثقافية.

وفي إطار التظاهرات الكبرى والاحتفاليات، نُظمت احتفالية السنة الأمازيغية في الفترة الممتدة من 05 إلى 12 جانفي 2025، وتضمنت معارض تراثية وفنية، معارض للكتاب الأمازيغي، ورشات أشغال يدوية، ورشة تصميم غرافيكي، عروض أفلام أمازيغية، مسابقة عروس يناير وحفل الافتتاح. كما نُظم أسبوع الزي النسوي خلال الفترة ذاتها، وشمل معارض في اللباس التقليدي، ورشات في التطريز والخياطة التقليدية، وحصة إذاعية حول اللباس التقليدي بعنابة. وشهدت الولاية أيضًا إحياء الأسبوع الاحتفالي للمبايعة الثانية للأمير عبد القادر من 04 إلى 08 فيفري، من خلال محاضرات، عروض أفلام، وورشات في الخط العربي، إضافة إلى إحياء اليوم الوطني للشهيد بعروض مسرحية وسينمائية، ومعارض للصور والكتب التاريخية وندوة فكرية.

كما عرفت سنة 2025 تنظيم تظاهرة إحياء ليالي رمضان من 07 إلى 26 مارس، والتي تضمنت عروضًا فنية، أنشطة فكرية وأدبية، مسابقات، ورشات ومعارض ثقافية عبر مختلف بلديات الولاية، واستهدفت فئات متنوعة من الجمهور، من بينها حفلات فنية بمناسبة عيد المرأة، ليالي الفنون الشعبية والمديح، ليالي القصيدة الدينية والمالوف، ليالي السماع الصوفي والإنشاد، الأيام الوطنية للألغاز والبوقالات والألعاب الشعبية، وقعدات نسوية تراثية. وتم كذلك إحياء يوم المخطوط العربي المصادف لـ04 أفريل تحت شعار “المخطوط العربي حياة أمة ورائد حضارة”، إلى جانب احتفالية اليوم الوطني للفنان التي نُظمت يوم 14 جوان 2025، وشملت معارض متنوعة، بيع بالإهداء، قراءات شعرية، لوحات راقصة، منوعات غنائية وتكريمات.

وعلى المستوى الفكري والأدبي، شكلت الملتقيات والندوات المنظمة خلال السنة فضاءات حقيقية لتبادل الأفكار وفتح النقاش حول قضايا ثقافية متنوعة، حيث نظمت مديرية الثقافة قعدات رمضانية نسوية من 13 إلى 16 مارس 2025 بالمكتبة الرئيسية، كخطوة غير مسبوقة عالجت مواضيع متعددة. كما نُظمت الندوة المغاربية الأولى تحت شعار “ثقافتنا… عمود التلاحم والانتصار” يوم 31 ماي 2025، وندوة مع الأديبة ربيعة جلطي بمناسبة افتتاح الموسم الثقافي في 20 سبتمبر، إلى جانب ملتقى وطني حول الأديب الدكتور أحمد شريبط يوم 20 ديسمبر بالمسرح الجهوي عز الدين مجوبي، وندوة بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية يوم 23 ديسمبر 2025.

وفي إطار منتدى الكتاب، الذي أطلقته وزارة الثقافة في 01 أكتوبر 2023، واصل هذا الفضاء أداء دوره في تشجيع المقروئية والاحتفاء بالمبدعين، حيث استقطب إلى غاية اليوم حوالي 51 كاتبًا من مختلف أنحاء الوطن، تنوعوا بين روائيين، شعراء وكتاب ناشئين، إلى جانب أسماء بارزة في الأدب داخل وخارج ولاية عنابة.

كما شهدت الولاية تنظيم معارض وصالونات فنية، من بينها معارض للفنانين التشكيليين بمختلف فنادق مدينة عنابة، ومعرض الزي التقليدي النسوي للشرق الجزائري عامة وللزي العنابي خاصة، إلى جانب تنظيم الصالون الوطني للصورة الفوتوغرافية الذي اعتمد هذه السنة على تقنيات الذكاء الاصطناعي تحت شعار “الشهداء يعودون”.

وفي مجال المسرح، تواصل تنظيم تظاهرة “المسرح في رحاب الجامعة”، إلى جانب إنتاج عدة مسرحيات موجهة للكبار والصغار، وتنظيم عروض مسرح الشارع بالشواطئ والساحات العمومية، وتظاهرة “عنابة فكاهة شو”، والأيام المسرحية الوطنية “الأضواء الساطعة”، فضلًا عن المساهمة في إثراء برنامج الألعاب الإفريقية المدرسية بنشاطات ثقافية بالقرية الإفريقية.

أما السينما، فقد عرفت تنظيم أيام الفيلم الثوري، أيام سينما الطفل، أيام عنابة للفيلم القصير الهاوي والذكاء الاصطناعي، عرض أفلام بالهواء الطلق، إضافة إلى تظاهرة سينما المدارس لفائدة تلاميذ الثانويات والمتوسطات لغرس الروح الوطنية في نفوسهم.

كما شمل البرنامج تنظيم حفلات فنية خلال شهر رمضان والموسم الصيفي، نشاطات موجهة للأطفال، وورشات تكوينية في مجالات السينما، المسرح، السمعي البصري، الفنون التشكيلية، الحفريات وترميم المخطوطات، وهو ما يؤكد أن سنة 2025 شكلت محطة ثقافية متكاملة، كرّست الثقافة كخيار تنموي مستدام، وجعلت من عنابة فضاءً نابضًا بالحياة، الإبداع والذاكرة.

تكشف حصيلة سنة 2025 الثقافية بولاية عنابة عن انتقال نوعي من التعاطي المناسباتي مع الثقافة إلى تبني رؤية أكثر عمقًا وشمولًا، تُؤسس للثقافة كرافعة حقيقية للتنمية المحلية وأداة لتعزيز التماسك الاجتماعي وترسيخ الهوية. فقد أظهرت مختلف المشاريع والفعاليات، بما تحمله من تنوع في المضامين واتساع في رقعة الاستهداف، إرادة واضحة لجعل الفعل الثقافي جزءًا من الحياة اليومية للمواطن، ووسيلة لإعادة الاعتبار للفضاءات العمومية والذاكرة الجماعية.

كما تعكس هذه الديناميكية الثقافية وعيًا متزايدًا بأهمية الربط بين التراث والممارسات الإبداعية المعاصرة، وبين التكوين والترويج، بما يسمح بخلق توازن بين الحفاظ على الخصوصية الثقافية والانفتاح على المحيطين الوطني والدولي. ورغم التحديات المرتبطة بالمشاريع المجمدة أو الحاجة إلى استمرارية التمويل والتأطير، فإن ما تحقق خلال سنة 2025 يضع أسسًا صلبة لبناء سياسة ثقافية مستدامة.

وعليه، يمكن القول إن عنابة بصدد ترسيخ موقعها كقطب ثقافي فاعل، قادر على تحويل رصيده التاريخي والفني إلى قوة ناعمة داعمة للتنمية الشاملة، ومجال خصب لصناعة الإبداع واحتضان الطاقات، بما يجعل الثقافة خيارًا استراتيجيًا لا مجرد نشاط ظرفي، ومسارًا مستقبليًا يعكس طموحات الولاية ويخدم رهاناتها التنموية.