رحيل الفنان التشكيلي رابح المنور "فتوح"
الأخضرية تودّع ابنها البار في جنازةٍ مهيبة، وأوساط الفن الجزائري تفقد أحد أبرز وجوهها التشكيلية
ريشةٌ أطفأها الرحيل وأضاءها الخلود
منيب ولي الدين
المرصاد برس : خيّم الحزن على الساحة الثقافية والفنية الجزائرية، الخميس، برحيل الفنان التشكيلي رابح المنور، المعروف في الوسط الفني باسم "فتوح"، عن عمر ناهز 61 عامًا، بعد مسيرةٍ فنية وإنسانية حافلة بالعطاء والإبداع.
الراحل، الذي وُلد في 16 مارس 1964 بمدينة الأخضرية، يعدّ من أبرز الأسماء التي أسهمت في ترسيخ الفن التشكيلي الجزائري كرافدٍ من روافد الهوية الوطنية، وأحد الأصوات التي جعلت من الريشة منبرًا للجمال والانتماء.
تميّزت تجربة فتوح بأسلوبٍ تشكيلي متفرّد، مزج بين الأصالة والمعاصرة، فكانت لوحاته قصائد مرسومة تعبّر عن حبّه للجزائر، واستلهامه العميق للروح الأمازيغية التي شكّلت خلفيته الثقافية والوجدانية، أعماله لم تكن فقط تشكيلا بصريا، بل حكايات وطنية وإنسانية، تستحضر الذاكرة الجماعية وتخلّد رموز الفكر والأدب الجزائري، إذ خصّص بريشته تكريماتٍ لوجوهٍ بارزة مثل محمد الأخضر السائحي، سليمان جوادي، أبو القاسم خمار، ومحفوظ فقير، وغيرهم من رموز الثقافة الذين خلدهم باللون كما خلدوه هم بالكلمة.
عُرف عن الراحل فتوح أنه فنان ميداني بامتياز، لم يكتفِ بالعزلة في محترفه، بل انخرط في المشهد الثقافي بكل حيوية، ترأّس جمعية عبد الرحمن الثعالبي، وساهم في تأسيس عددٍ من الجمعيات الثقافية والرياضية في الأخضرية والبويرة، فكان حاضرًا في مختلف الصالونات والمعارض والفعاليات الوطنية، ناقلًا رسالته الجمالية إلى الأجيال الجديدة، كان يرى أن "الثقافة مسؤولية جماعية"، وأن على الفنان أن يكون فاعلًا في المجتمع، لا متفرجًا على هامشه، ولهذا ظلّ اسمه مرتبطًا بالمبادرات الهادفة، والأنشطة التربوية التي ترمي إلى غرس قيم الفن والهوية في وعي الشباب.
فقد كانت له بصمات خالدة في مبادرة شعار النبالة للجمهورية ويعتبر أحد أبرز الفاعلين في تجسيدها نوفمبر 2024 رفقة جمعية نشاطات السلام الثقافية، وأحد مهندسي الملتقى الوطني سيدي عبد الرحمن الثعالبي، وجائزة الريشة الذهبية المخلّدة لأيقونة الفن التشكيلي الجزائري محمد بوزيد، رفقة الإعلامي خالد علواش والأستاذ محمد بلكبير.
في صباح رحيله، استيقظ فتوح كعادته على موعدٍ مع الحياة، كان يستعد للتوجه إلى الصالون الدولي للكتاب بالجزائر العاصمة رفقة أصدقائه من البويرة، خطواته نحو محطة البنزين على الطريق السيار كانت نحو قدر آخر، الذي اختار له وجهةً أخرى، إلى لقاءٍ أسمى مع ربه.
شهدت مدينة الأخضرية جنازة مهيبة حضرها الفنانون والمثقفون وأبناء الأخضرية والبويرة وكثير من الأصدقاء من مختلف ولايات الوطن، كما حضرت الهيئات الرسمية ممثلة في مديري الثقافة لولايتي البويرة والمدية ابراهيم بن عبد الرحمن وسليمة قاوة.
المشهد غلبت عليه مشاعر الوفاء والحزن، حيث رُفع صوته في دعاءٍ جماعي"نم قرير العين يا فتوح... فقد تركت فينا من نورك ما لا ينطفئ".
على مدى أربعة عقود من العطاء، رسم فتوح لنفسه مكانةً مرموقة في المشهد التشكيلي الجزائري، كفنانٍ امتلك رؤيةً جمالية وإنسانية متكاملة، ستظلّ لوحاته شاهدةً على زمنٍ من الصدق الفني، وعلى تجربةٍ حملت في طيّاتها إيمانًا بأن الفن رسالة نبيلة قادرة على بناء الوعي حين تعجز السياسة عن ذلك، برحيله، تخسر الجزائر صوتًا بصريًا صادقًا، وفنانًا جعل من الجمال موقفًا، ومن الريشة وعدًا دائمًا بالحب والوطنية.
سلامٌ على روحك الطاهرة، أيها الفنان الذي علّمنا أن الفنّ ليس مهنةً بل حياة تُعاش بالحبّ والضوء، سلامٌ عليك يوم وُلدت للفن، ويوم رحلت عنه، ويوم تبعث حيًّا في ذاكرة كلّ من أحبّك وأحبّ ما صنعت.
رحلت جسدًا... لكن ألوانك باقية، تحرس ذاكرة الوطن، وتروي حكاية فنانٍ آمن أن الجمال لا يموت.